سهيلة عبد الباعث الترجمان

808

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فليتأمل الناظر فيه كل التأمل ، فمن المعاني ما لا يفهم إلا لغزا أو إشارة ، فلو ذكر مصرحا لحال الفهم به عن محله إلى خلافه ، فيمتنع بذلك حصول المطلوب " « 1 » . ولما كان الحق هو مصدر المعرفة التي ترد على القلب من طريق الخاطر الرباني والوهب الإلهي والوجود الرحماني لمن اعتنى اللّه تعالى به من عباده ، فيكون المنبع الذي شرب منه ابن عربي والجيلي هو منبع واحد إلهي وهبي لا سبيل للعقل بإدراكه والإحاطة به ، يتمثل ذلك في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي كتاب اللّه وسنّة رسوله الكريم . وأما ما ظهر من أمور تتعارض والتعاليم الروحية لديهما فهي راجعة إلى مغالاة بعض الفقهاء في إلقاء الشّبهات على هذه الأمور ، والدّس عليهما ، فوقع الاختلاف بشأنهما نتيجة ذلك ، واختلف الأمر في الحكم عليهما ، فعلى حين يتهمهما بعض الفقهاء بالكفر والمروق في الإسلام ، نجد من ينسب إليهما كل كمال وعرفان ، بل يرون فيهما أولياء وأقطاب يندر أن يجود بمثلهما الزمان . إذن فإن ما يتضمنه قول ابن عربي والجيلي عن وحدة الوجود ليس إلا تعبيرا عن هذه العلوم الروحية التي تحققا بها وهبا وإلهاما وكشفا ، وليس تفكرا واكتسابا وعيانا ، لأنها وراء طور العقل . فتكون وحدة الوجود إذن وحدة وجود روحية لا مادية ، لأنها قائمة على الكشف ، وتشهد بالقلب ، ولا تدرك بالحس والعقل القاصر عن الإحاطة بها . وفي ذلك دلالة واضحة على صدق أقوالهما لما خصهما به اللّه من العلم اللّدنيّ الذي نالاه وهبا ومنّة إلهية ، كما أنه نتيجة تجربة روحية ومعاناة نفسية قضت على مطالب النفس وهيأتها لنيل الحكمة الإلهية وذلك بالتجلّي بالكمال الخلقي والصفاء الروحي والنقاء القلبي ، والتخلي عن كل ما من شأنه أن يحرك هواجس النفس ومطالبها المادية ، فهما من أهل اللّه الذين صفت سرائرهم ، والذين قيل فيهم إن للّه عبادا تولى تعليمهم في سرائرهم إذ هو المعلم الحقيقي للوجود كله ، وعلمه هو العلم الصحيح حيث يقول : " إن المعلم على الحقيقة هو اللّه تعالى ، والعالم كله مستفيد طالب مفتقر " « 2 » .

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، المقدمة ، ص 5 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 399 . ( انظر الشعراني ، اليواقيت ، ص 16 ) .